وجبات مدرسية صديقة للبيئة
باربرا بيديكه من مؤسسة "دبي العطاء" الخيرية تدعو إلى الاستثمار الواعي بالمناخ في مجال التغذية المجتمعية.
الخميس, 05 مارس 2026
باربرا بيديكه من مؤسسة "دبي العطاء" الخيرية تدعو إلى الاستثمار الواعي بالمناخ في مجال التغذية المجتمعية.
الخميس, 05 مارس 2026
تعمل باربرا بيديكي مديرةً للبرامج في مؤسسة "دبي العطاء"، حيث تقود مبادرات التعليم والصحة والتغذية والتمويل المبتكر، بالإضافة إلى إدارة مجموعة متنوعة من البرامج، والعمل على بناء علاقات وشراكات مؤثرة. كما أسهمت في تنظيم النسخة الأولى من قمة "RewirEd" خلال إكسبو 2020 دبي، وكذلك النسخة الثانية خلال مؤتمر COP28 في دولة الإمارات، وهي حاصلة على درجة الماجستير في التنمية الدولية والتعليم من جامعة "ساسكس"، وتسعى بشغف كبير لإحداث فرق في مجال التعليم ودعم التغيير على المستوى المنهجي.
المشاركة البسيطة في وجبة داخل المدرسة غالبًا ما تثير ذكريات دافئة ومحببة للنفس لدى الكثيرين، غير أن قيمة الوجبات المدرسية تفوق مجرد الحنين إلى الماضي؛ فهي عنصر أساسي لدعم صحة الأطفال وتطورهم الاجتماعي ونجاحهم الدراسي.
بدأت برامج التغذية المدرسية للمرة الأولى في البلدان المتقدمة في أواخر القرن التاسع عشر بغرض مكافحة سوء التغذية وضعف الأداء التعليمي، ثم توسعت هذه المبادرات لتشمل الدول النامية تحت إشراف برنامج الأغذية العالمي، لتسهم في مكافحة النقص في التغذية وزيادة الإقبال على التعليم في المجتمعات المتضررة من الفقر. ومع الوقت، أصبحت هذه البرامج تمثل استثمارًا بالغ التأثير يغطي التداخل بين قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
ومع مطلع الألفية الجديدة، ظهر نموذج جديد يُعرف بالتغذية المدرسية المحلية (HGSF)، والذي اعتمد على توفير الغذاء من خلال مكونات مُنتجة محليًا، وقد أسهم هذا النموذج في ربط المدارس بالزراعة ومصادر الرزق عبر شراء المنتجات الغذائية محليًا، مما ساعد على دعم المجتمعات المحلية وتحسين التغذية في آن واحد.
وقد أظهر تطبيق هذا النموذج في بلدان كغانا وكينيا ومالاوي القدرة على إحداث تغيير جذري، حيث ارتفعت نسب الحضور المدرسي، وتطورت نتائج العملية التعليمية، واستفاد المزارعون المحليون من استقرار الأسواق، وتحول ما بدأ كمعالجة لظاهرة نقص التغذية إلى نهج شامل يعزز نمو الأطفال، والمجتمعات، والاقتصاد بشكل متزامن.
وبحلول عام 2020، أصبحت برامج التغذية المدرسية الوطنية أكبر مظلة أمان اجتماعي في العالم، وقدمت خدماتها لعدد من الأطفال يفوق أي عدد استهدفه أي برنامج حكومي آخر، لكن جائحة كوفيد-19 كشفت مدى هشاشة هذا النظام وقابليته للانهيار.
وخلال فترة وجيزة للغاية، أدت عمليات إغلاق المدارس إلى قطع الإمدادات الغذائية عن ملايين الأطفال الذين كانوا يعتمدون عليها كمصدر رئيسي للتغذية، وكانت العواقب الإنسانية مباشرة ومؤلمة، حيث تفاقمت معضلة نقص التغذية، وتدهورت العملية التعليمية، واتسعت الفجوة التي تفصل الأطفال الأكثر حرمانًا عن أقرانهم.
وإدراكًا لأهمية التحرك العالمي المشترك بشكل عاجل، ساهمت «دبي العطاء» في عام 2021 بمنحة تأسيسية لإطلاق "تحالف الوجبات المدرسية"، الذي يحتضنه برنامج الأغذية العالمي، بهدف واضح يتمثل في تأمين وجبة مدرسية مغذية لكل طفل بحلول عام 2030.
في ذلك العام، شهدت مسيرتي المهنية منعطفًا مهمًا مع تولي مسؤولية ملف الصحة والتغذية المدرسية في "دبي العطاء"، الذي أصبح ثاني أكبر برامج المؤسسة من حيث الالتزام المالي ونطاق التأثير، ومن خلال هذه المسؤولية، عايشت عن قرب كيف يمكن للوجبات المدرسية أن تُحدث تحولًا جذريًا، لا في حياة الأطفال فحسب، بل وتعيد تشكيل أنظمة كاملة عند تطبيقها بوعي وعلى نطاق واسع.
"يفرض تغيّر المناخ تحديات وضغوطًا غير مسبوقة على منظومة الغذاء العالمية."
حاليًا، يستفيد ما يقارب 466 مليون طفل على مستوى العالم من برامج Xالوجبات المدرسية، التي يشرف عليها نحو 7.4 مليون طاهٍ، وباستثمارات سنوية تقارب 84 مليار دولار أمريكي.
ورغم ذلك، نجد أنفسنا مجددًا أمام منعطف حاسم، فالتغير المناخي يضع عبئًا غير مسبوق على النظم الغذائية العالمية، حيث تؤدي درجات الحرارة المرتفعة، وعدم استقرار الأمطار، والكوارث المناخية إلى تراجع المحاصيل، وارتفاع الأسعار، ودفع الفئات الضعيفة نحو مزيد من انعدام الأمن الغذائي.
أدى الجفاف المستمر في كينيا خلال عامي 2022 و2023 إلى تدمير المحاصيل وإلحاق أضرار بالغة بالثروة الحيوانية، وفي عام 2024 أدت الفيضانات العنيفة في بنغلاديش إلى نزوح السكان وتعطيل الإمدادات الغذائية، وهذه ليست مجرد تغيرات بيئية، بل واقع يومي يقرر إن كان الطفل سيأكل أو يتعلم أو يعاني من نقص الغذاء؛ فعندما تنهار الأنظمة الغذائية، يكون الأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا.
وخلال زيارة ميدانية حديثة إلى الهند، التقيت بمجموعة من الشابات الملتحقات ببرامج تدريب مهني بولاية جهارخاند، التي كانت في السابق منطقة غنية بالإنتاج الزراعي، لكنها تعاني الآن من انخفاض في هطول الأمطار وتراجع في إنتاج المحاصيل بسبب تغير المناخ. وذكر مدير المعهد حقيقة قاسية مفادها أن عددًا كبيرًا من الطالبات يعانين من التقزُّم بسبب سوء التغذية المزمن منذ الطفولة.
لم يكن تأثير ذلك مقتصرًا على صحتهن، بل امتد ليشمل ثقتهن بأنفسهن، ولياقتهن البدنية، وفرصهن في التوظيف مستقبلًا. فتداعيات سوء التغذية لا تنتهي بانتهاء فترة الطفولة، بل تنعكس على الفرص المتاحة للشخص، ودخله المادي، وثقته بنفسه طوال الحياة.
تعاني نظم الغذاء المعاصرة من خلل يضر بالإنسان والكوكب معًا؛ فمن مرحلة الإنتاج إلى الاستهلاك، تؤدي أساليب إنتاج الغذاء وتحضيره وتوزيعه إلى تدهور البيئة وسوء الصحة بدرجة كبيرة.
ونظرًا للعلاقة الوثيقة بين التعليم والتغذية والعمل المناخي، نظّمت "دبي العطاء" النسخة الثانية من قمة RewirEd ضمن فعاليات مؤتمر COP28 في دبي عام 2023، وقد شهدت هذه القمة تخصيص يوم كامل للتعليم لأول مرة عالميًا.
وخلال القمة، كشف "تحالف الوجبات المدرسية" عن دراسة مبنية على الأدلة بقيادة البروفيسور دونالد بندي، تُظهر أن الوجبات المدرسية تلعب دورًا مزدوجًا في تحسين التعلم ودعم قضايا المناخ والاستدامة.
وقدّمت الدراسة مجموعة من الحلول العملية لوجبات مدرسية صديقة للبيئة، بهدف خفض الأثر البيئي لأنظمة الغذاء، مثل زيادة الاعتماد على الأغذية النباتية، والحد من الفاقد الغذائي، واستخدام تقنيات طهي موفرة للطاقة، ودعم زراعة المحاصيل المحلية المتكيفة مع المناخ، وتنمية وعي الأطفال الغذائي عبر التعليم.
وبشكل إيجابي، أعلنت دول ككينيا ورواندا وسيراليون في قمة RewirEd التزامها باتباع هذا النهج، ما يعكس تزايد التوجّه السياسي نحو إعادة تصور التغذية المدرسية في ضوء تحديات التغير المناخي.
"الوجبات المدرسية ليست مجرد غذاء للأطفال؛ بل تخلق بيئة خصبة للفرص المتنامية."
هناك تغيير يحدث فعليًا على مستوى المجتمع، وحملة "دبي العطاء" الرمضانية "أطعم طفلًا، ابنِ مطبخًا" تساعد في الحفاظ عليه.
في الوقت الذي تركز فيه معظم مبادرات التغذية بشكل أساسي على تقديم الوجبات، يستثمر برنامج "تبنِّي مطبخًا" في كينيا في بناء وتجهيز مطابخ المدارس، ما يهيئ بنية تحتية تدعم إعداد وتقديم غذاء صحي بصورة مستدامة وبكميات كبيرة.
فمن خلال إنشاء مرافق مستدامة لإعداد الطعام، يساهم هذا النموذج في تعزيز الشعور بالمشاركة والملكية المحلية، ويوفر فرص عمل، كما يضمن عمل برامج التغذية المدرسية بشكل منتظم ومستقل.
تُعتبر مؤسسة "Food4Education"، شريكنا المنفّذ في كينيا، من الرواد في تقديم وجبات مدرسية صديقة للبيئة. ومن خلال تقنيتها المبتكرة Tap2Eat للأساور الذكية، يقوم البرنامج بتتبُّع توزيع الوجبات في الوقت الفعلي، وتبسيط عمليات الدفع، وتقليل فاقد الطعام بشكل كبير عبر ضمان إعداد الوجبات وتوزيعها وفق الطلب الفعلي.
تشكل المكونات المحلية نسبة 80% من الوجبات الغذائية، بينما تُزرع جميعها في كينيا بنسبة 100%، الأمر الذي يدعم المزارعين المحليين والزراعة المستدامة بشكل مباشر. وتُعد قوائم الطعام بما يتلاءم مع التغير المناخي، مع التركيز على المنتجات الموسمية لتقليل الأثر البيئي، وقد تحولت المدارس من استخدام الحطب التقليدي إلى وقود صديق للبيئة وتقنيات طهي نظيفة، مما يقلل الانبعاثات ويحسن بيئة العمل والصحة.
كان مجرد تقديم إفطار بسيط من العصيدة للأطفال الصغار، ووجبة غداء ساخنة مكونة من الأرز والفاصولياء والخضروات لطلاب المرحلتين الابتدائية والثانوية، كفيلًا بتغيير حياة آلاف الأطفال. يروي المعلمون كيف كان التلاميذ في السابق يغادرون المدرسة في منتصف اليوم بحثًا عن لقمة تسد جوعهم، أو يسقطون مغشيًا عليهم داخل الصفوف، أما الآن فقد استقرت نسبة الحضور، وتحسَّن التركيز، ولم يعد الأطفال يغادرون المدرسة قبل انتهاء اليوم الدراسي.
حاليًا، يحصل نحو 2.5 مليون طفل في كينيا على وجبة يومية في مدارسهم، ويتجاوز تأثير هذا البرنامج حدود المدرسة، حيث يحصل الطهاة على وظائف كريمة، ويستفيد المزارعون المحليون من حركة الأسواق الدائمة، وتحصل النساء على العديد من هذه الفرص، كما تعيش العائلات حالة من الاستقرار؛ فالوجبات المدرسية تصنع بيئة متكاملة من الفرص، ولا تقتصر فقط على تغذية الأطفال.
وبرغم ما تحقق من تقدم، فإن التحدي على مستوى العالم ما يزال هائلًا، فقرابة ربع سكان العالم دون سن الخامسة عشرة، وإذا لم يحصل هؤلاء الأطفال على التغذية الكافية في مراحلهم العمرية المبكرة، فإننا نخاطر بظهور جيل يعاني من سوء الصحة، وتراجع في التعليم، وفرص اقتصادية محدودة، ولن تستطيع الإحصاءات أن تعبِّر عن التكلفة الإنسانية الناتجة عن التقاعس؛ فإمكانات الأجيال المهدرة والمستقبل الذي لم يتحقق لا يمكن قياسه بالأرقام.
تمثل الوجبات المدرسية الصديقة للبيئة فرصة فريدة للتصدي لعدد من القضايا العالمية معًا، فهي توفر التغذية للأطفال، وتدعم أنظمة الغذاء المحلية، وتدعم مصادر الدخل، وتساعد في حماية البيئة، ونادرًا ما تحقق أي مبادرة أثرًا بهذا الاتساع في مجالات التعليم والصحة والمناخ والاقتصاد.
إن الاستثمار في الوجبات المدرسية الصديقة للبيئة لا يعني فقط إشباع الأطفال من خلال توفير التغذية الكافية لهم، بل هو خطوة استراتيجية لحماية مستقبلهم ومستقبل كوكب الأرض، ويتعين على الحكومات والجهات المانحة والقطاع الخاص العمل على تعميم هذه المبادرات الفعالة، فمن خلال التركيز على البرامج الغذائية المستدامة، يمكننا تعزيز صحة الأجيال القادمة، وبناء مجتمعات أقوى، وخلق أنظمة غذائية منسجمة مع الإنسان والطبيعة.
وفي شهر رمضان المبارك، تسعى "دبي العطاء" إلى تطبيق هذه الرؤية على أرض الواقع من خلال حملة "إطعام طفل، بناء مطبخ"، وتدعو مجتمع الإمارات إلى المشاركة الفعالة في تطوير أنظمة تغذية مدرسية مستدامة.
ومن خلال الاستثمار ليس فقط في الوجبات المدرسية، بل أيضًا في البنية التحتية للمطابخ التي تتيح إعداد هذه الوجبات، تضمن الحملة إمكانية إعداد وتقديم طعام صحي بشكل منتظم ومستدام.
ومع تنوع سبل التبرع بين المبادرات الفردية، والحملات المجتمعية، ومشاركة المؤسسات في رعاية مطابخ المدارس، فإن كل شكل من أشكال العطاء سيسهم في بناء مستقبل صحي للأطفال ودعم أنظمة غذائية صديقة للمناخ.
It's a good idea to use a strong password that you're not using elsewhere.
Remember password? Login here
Our content is free but you need to subscribe to unlock full access to our site.
Already subscribed? Login here