نعيش اليوم في عصر مليء بالقدرات الاستثنائية والاختلالات الاستثنائية، فلم يسبق للمجتمعات البشرية أن حظيت بهذا الكم من إمكانية الوصول إلى البيانات، ورأس المال، والتقنيات، والوسائل التي تمكّنها من رسم ملامح المستقبل كما هو الحال الآن.
ومع هذا، فإن العديد من السلوكيات التي تحقق النمو والرخاء الاقتصادي، تقوّض في الوقت ذاته الأسس التي يقوم عليها رخاؤنا المشترك.
إن التخلّي التدريجي لأنظمتنا الاقتصادية والتجارية عن آليات المُساءلة القابلة للتنفيذ، يؤدي إلى انهيار الأُسس البيئية والاجتماعية التي يعتمد عليها هذا النمو والتقدُّم.
في قطاعات عديدة، لم تعد القرارات تعكس عواقبها البيئية الفعلية، بينما يتم ترحيل عواقبها أو تصدير المشكلات الناتجة عنها وتحميلها لأطراف أخرى — غالبًا عبر الحدود وعبر الأجيال، في سياقات يسودها غياب التكافؤ في موازين السلطة.
فعلى سبيل المثال، في كارثة «ديب ووتر هورايزن» بخليج المكسيك عام 2010، فقد أحد عشر عاملًا حياتهم، ولمدة تقارب ثلاثة أشهر ظل النفط يتدفق إلى المحيط، ليغطي آلاف الأميال من السواحل، مخلفًا دمارًا واسعًا في الأراضي الرطبة والحياة البرية، ومتسببًا في توقف أنشطة الصيد والسياحة.
في السنوات التي سبقت الكارثة، تم توجيه استثمارات متزايدة نحو تقنيات جديدة لإنتاج النفط، وارتفعت الأرباح نتيجة لذلك، غير أن أنظمة الأمان والرقابة لم تتطور بما يكفي لمواجهة مخاطر التنقيب في المياه العميقة.
سمحت القوانين للصناعة بأن تتحقق بنفسها من مدى التزامها بمعايير السلامة، كما كانت الجهات التنظيمية الحكومية على صلة وثيقة بالشركات وتعتمد غالبًا على بياناتها الخاصة.
عندما تعطل جهاز الحماية من الانفجار، لم يكن بالإمكان إصلاح الأمر بسرعة، وقد دفعت شركة BP لاحقًا ما يزيد على 60 مليار دولار في أعمال إزالة التلوث، والغرامات، والتسويات القانونية.
تدارك النظام أخطاءه، لكن بعد حدوث الكارثة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى انعدام المساءلة الاستباقية.
في المقابل، بدأت مدينة نيويورك في أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات تعاني من صعوبات في توفير المياه، والتي كانت تُستمد بشكل أساسي من أحواض «كاتسكيل» و«ديلاوير»، على بُعد حوالي 100 ميل شمال المدينة.
تسبب التوسع الزراعي والعمراني المكثف في المنطقة في تدهور جودة المياه في مجرى النهر، ووجدت المدينة نفسها — الملزمة قانونًا بحماية معايير مياه الشرب — في مواجهة تكلفة ضخمة تتراوح بين 5 و6 مليارات دولار لبناء محطة لتنقية المياه.
غير أن المدينة، عوضًا عن بناء المحطة، فضّلت حماية المياه من المصدر، مستثمرةً قرابة مليار دولار في خطط متنوعة تشمل تقليل الجريان السطحي وتحسين الصرف الصحي وشراء الأراضي للحد من التنمية المُضرّة.
في الوقت ذاته، أُبرمت اتفاقيات رسمية وملزمة مع المجتمعات المحلية لمراقبة جودة المياه بدقة، وكانت محصلة ذلك الحصول على مياه أكثر نقاءً، وتفادي تكاليف البنية التحتية، وتعزيز استقرار الاقتصاد الريفي.
ولا يزال هذا النظام حتى اليوم يمد أكثر من تسعة ملايين شخص بمياه شرب جيدة دون تنقية، ما يثبت أن الحفاظ على النظام البيئي أقل تكلفة بكثير من معالجته بعد التدهور.
في هذه الحالة، عملت المساءلة كآلية تصحيح ذاتي حافظت على توازن النظام دون أن ينهار.