نتائج مثمرة

مريم الحمادي من مؤسَّسة "نماء للارتقاء بالمرأة" توضّح لماذا يُعد الاستثمار في المنظمات التي تقودها النساء خيارًا رابحًا

Giacomo Berardi 4Z5ey F OA4 Unsplash 2

مريم الحمادي هي المدير العام لمؤسَّسة "نماء للارتقاء بالمرأة"، وتمتلك خبرة تمتد لأكثر من عشر سنوات في قيادة البرامج الإنسانية والتنموية في أكثر من 25 دولة، مع تركيز خاص على تمكين المرأة، والاستدامة، وتعظيم الأثر المحلي. وتُعد "نماء للارتقاء بالمرأة" مؤسسة مقرها الشارقة، تعمل على سد فجوات عدم المساواة بين الجنسين عالميًا، وتهيئة الفرص للنساء للنمو والتمكين وتحقيق كامل إمكاناتهن محليًا ودوليًا.

علّمتني تجربتي في العمل الخيري على مدى العقد الماضي أن التغيير الحقيقي يبدأ عندما تحصل النساء والمنظمات التي تعمل من أجلهن على الأدوات المناسبة، والثقة، والتمكين على مستوى المجتمعات المحلية.

ومنذ تولّي منصبي كمدير عام لمؤسسة "نماء للارتقاء بالمرأة"، حرصنا على ترسيخ وتطوير فلسفة شكّلت وما تزال حجر الأساس في رسالتنا، وهي منح الثقة والموارد للمنظمات التي تقودها النساء بوصفها محرّكات رئيسية للتغيير الشامل والمستدام.

وتستند هذه الرؤية إلى توجيهات إمارة الشارقة، وإلى قيادة سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة "نماء"، التي تؤمن بدور النساء بوصفهن قوة محورية في دفع عجلة التقدم الاجتماعي والاقتصادي، وتواصل دعمهن عبر مبادرات استراتيجية طويلة الأمد.

في هذا السياق، أُطلق برنامج تمكين المنظمات غير الحكومية في تنزانيا في ديسمبر 2024، كمبادرة تمتد لأربع سنوات، استجابةً لجملة من التحديات التي تواجه منظمات المجتمع المدني في المنطقة، من بينها تقلّص تمويل المانحين، واشتداد المنافسة على المنح، وتزايد الاحتياجات المجتمعية.

وقد برزت تنزانيا بوصفها وجهة طبيعية لهذا البرنامج، نظرًا لقوة شبكة المنظمات النسائية العاملة فيها، وحيوية مجتمعها المدني، إلى جانب الفجوات الواضحة بين حجم الإنجازات المحلية وقدرة المؤسسات على مواكبة التحولات والمتغيرات.

نحن نعمل في كل من تنزانيا وزنجبار ضمن سياقات متنوعة وبيئات مختلفة، بهدف دعم وتمكين المنظمات التي تتمتع بحضور راسخ وثقة عميقة داخل مجتمعاتها المحلية.

"من خلال الاستثمار في القيادة المحلية وتعزيز قوة المؤسسات، فإننا نُمكّن النساء من تغيير ليس فقط حياتهن، بل رسم مسار جديد لمستقبل أمم بأكملها"

يحظى البرنامج بتمويل مشترك من مؤسسة "نماء للارتقاء بالمرأة" ومؤسسة "نماء"، وهي مؤسسة مانحة دولية مقرها ماليزيا تُعنى بدعم التنمية المستدامة، ويُنفَّذ بالشراكة مع منظمة "نايس تنزانيا"، وهي منظمة غير حكومية متعددة التخصصات تتمتع بجذور محلية قوية، وتُعرف بعملها في تمكين المنظمات الشعبية التطوعية من خلال تعزيز الاستدامة، وبناء القدرات القيادية، وتنويع مصادر الدخل.

وتعمل "نايس تنزانيا" تحت مظلة "نايس غلوبال إمباكت"، وهي مؤسسة اجتماعية مقرها الرئيسي في إندونيسيا، وتتيح لنا خبرتها الميدانية الممتدة لعقود، وفهمها العميق للسياق التشغيلي المحلي، تحديد الثغرات المؤسسية التي تعيق التطور المستدام للمنظمات غير الحكومية.

ورغم الارتباط الوثيق لهذه المنظمات بمجتمعاتها، فإن العديد منها يواجه تحديات جوهرية، من بينها محدودية التمويل، والاعتماد المفرط على دعم المانحين، وصعوبة تحمّل تكاليف التشغيل، وضعف التخطيط الاستراتيجي.

ومن خلال برنامجنا، نوفر تدريبات مُصمَّمة خصيصًا، وإرشادًا مهنيًا متخصصًا، وإمكانية الحصول على قروض اجتماعية بلا فوائد، بما يساعد هذه المنظمات على إطلاق مشاريع مدرّة للدخل تقلّل من اعتمادها على التمويل الخارجي.

وعلى مستوى تنزانيا، سيستفيد 400 ممثل عن منظمات غير حكومية من برامج متخصصة لبناء القدرات، في حين ستُنهي 20 منظمة مشاركتها في البرنامج وهي تمتلك خططًا استراتيجية متكاملة تضعها على مسار الاستدامة طويلة الأمد.

وعمليًا، يعني ذلك:

  • تمكين المنظمات النسائية من اكتساب مهارات إدارة المشاريع المُدرَّة للدخل.
  • توفير مصادر تمويل أكثر استقرارًا وتنوعًا.
  • الحد من الاعتماد على أنماط التمويل قصيرة الأجل.
  • بناء فرق عمل قيادية ذات كفاءة عالية قادرة على نقل المعرفة والخبرات.
  • تحسين جودة الخدمات المقدمة للنساء من ذوات الدخل المحدود وضمان استدامتها.

وتجسّد إحدى المنظمات المجتمعية في زنجبار، التي تدعم الأرامل والفئات الأكثر هشاشة، أثر هذا البرنامج بوضوح، إذ نجحت في تطوير واعتماد خطة استراتيجية واضحة شكّلت خارطة طريق لعملها، وساعدتها على مواءمة برامجها مع أهدافها، وجعلتها أكثر جاذبية للجهات المانحة المحتملة.

ويعكس هذا البرنامج تحوّل مؤسسة "نماء" نحو تبنّي نهج "التوطين العالمي"، الذي يركز على تمكين الفاعلين المحليين وتعزيز دورهم القيادي.

Elliot Paris Avosncfqmoi Unsplash

. فالمنظمات الشعبية بطبيعتها متجذّرة في مجتمعاتها، وتعمل على حشد المتطوعين والخبراء المحليين لتحقيق أثر جماعي، إلا أنها غالبًا ما تفتقر إلى الدعم المؤسسي الذي يميل المانحون إلى إغفاله لصالح التركيز المباشر على المستفيدين.

وتبرز الحاجة الملحّة اليوم إلى دعم وتمويل المنظمات غير الحكومية التي تقودها النساء، إذ كشف تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة في مايو الماضي أن 90% من أكثر من 400 منظمة شملها الاستطلاع تأثرت بشدة نتيجة انخفاض التمويل. وأفادت قرابة نصف هذه المنظمات بأنها تتوقع التوقف عن العمل خلال ستة أشهر، في حين أوقفت العديد منها أنشطتها بالفعل.

وفي ظل هذه التحديات، أصبحت المجتمعات أكثر احتياجًا من أي وقت مضى إلى الخدمات الحيوية التي تقدمها المنظمات الأهلية النسائية، والتي تتصدى لأكبر القضايا الاجتماعية رغم محدودية الموارد. ومع ذلك، تظل هذه المنظمات من بين الأقل حصولًا على التمويل، إذ تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية(OECD) إلى أن أقل من 1% من المساعدات العالمية تصل إلى المنظمات المعنية بحقوق المرأة.

ومن قصص النجاح الأخرى، منظمة غير حكومية مقرها دار السلام تعمل على دعم المرضى في المستشفيات من خلال تغطية النفقات العلاجية وتوفير الاحتياجات الأساسية. وكانت تعتمد سابقًا على تبرعات غير منتظمة، من دون استراتيجية واضحة لجمع التمويل أو إدارة علاقات المانحين.

وبفضل البرنامج، حصل فريق هذه المنظمة على تدريب متخصص في جمع التبرعات، وبناء العلاقات مع المانحين، وإعداد مقترحات احترافية، وتأسيس شراكات تمويل مستدامة، ما ساهم في تعزيز قدرتها على الاستمرار وتوسيع نطاق خدماتها.

A2A0621

وخلال العامين المقبلين، نطمح إلى توسيع هذه الجهود ليحصل 25 منظمة غير حكومية على قروض اجتماعية لبدء مشاريع مدرّة للدخل، بما يمهّد الطريق نحو الاستقلال المالي وبناء مؤسسات قادرة على الاكتفاء الذاتي.

كما يسهم عملنا في تنزانيا في توجيه الاستراتيجية الأشمل لمؤسسة "نماء"، حيث إن إعطاء الأولوية للقيادة المحلية، وبناء القدرات المؤسسية، وتعزيز التعاون على مستوى المنظومة بأكملها، يضمن استمرار الأثر حتى بعد انتهاء الدعم المباشر، ويتيح للنساء تولّي أدوار قيادية بثقة، وللمجتمعات النمو بصورة مستدامة.

ويبرهن برنامج تنزانيا أن الاستثمار في المنظمات التي تقودها النساء لا يقتصر أثره على المستفيدين المباشرين، بل يمتد ليعزّز المجتمعات ويصوغ ملامح المستقبل.

وفي مؤسسة "نماء"، نلتزم بضمان أن تكون المنظمات النسائية قوى فاعلة ومؤثرة في مجتمعاتها واقتصاداتها وبيئاتها الاجتماعية. فمن خلال الاستثمار في القيادة المحلية وتعزيز قوة المؤسسات، فإننا نُمكّن النساء من تغيير ليس فقط حياتهن، بل رسم مسار جديد لمستقبل أمم بأكملها.

شاركونا في توجيه الاستثمارات، ليس نحو النساء فحسب، بل نحو المؤسسات التي تعمل بلا كلل لدعمهن وصناعة الأثر المستدام.