أزمة المُساءلة التي لم يعد بإمكاننا تجاهلها

ترى الدكتورة ناتاشا م. ماتيك أنه في ظل تراجع الثقة وتزايد الممارسات التسويقية التي تخدع بها الشركات المستهلكين، عبر إيهامهم بأن منتجاتها أو سياساتها صديقة للبيئة (ظاهرة الغسل الأخضر)، يمكن للعمل الخيري أن يكون أساسًا لبناء أنظمة مُساءلة قوية وقابلة للتطبيق نحتاجها بشدة من أجل تحقيق الرخاء المشترك.

Kristaps Ungurs W41yjwqzxm4 Unsplash

 الدكتورة ناتاشا ماتيتش هي المديرة التنفيذية لمؤسسة "Accountability Acceleratorوهي جهة مانحة تقدّم الدعم المالي والتنسيقي والتوجيهي للمنظمات الساعية إلى تحفيز الشركات والضغط عليها للحد من أي أضرار تسببها للبيئة وإيقافها. شغلت سابقًا منصب نائبة الرئيس التنفيذي وكبيرة مسؤولي التخطيط الاستراتيجي في مؤسسة الملك خالد في المملكة العربية السعودية.

نعيش اليوم في عصر مليء بالقدرات الاستثنائية والاختلالات الاستثنائية، فلم يسبق للمجتمعات البشرية أن حظيت بهذا الكم من إمكانية الوصول إلى البيانات، ورأس المال، والتقنيات، والوسائل التي تمكّنها من رسم ملامح المستقبل كما هو الحال الآن.

ومع هذا، فإن العديد من السلوكيات التي تحقق النمو والرخاء الاقتصادي، تقوّض في الوقت ذاته الأسس التي يقوم عليها رخاؤنا المشترك.

إن التخلّي التدريجي لأنظمتنا الاقتصادية والتجارية عن آليات المُساءلة القابلة للتنفيذ، يؤدي إلى انهيار الأُسس البيئية والاجتماعية التي يعتمد عليها هذا النمو والتقدُّم.

في قطاعات عديدة، لم تعد القرارات تعكس عواقبها البيئية الفعلية، بينما يتم ترحيل عواقبها أو تصدير المشكلات الناتجة عنها وتحميلها لأطراف أخرى — غالبًا عبر الحدود وعبر الأجيال، في سياقات يسودها غياب التكافؤ في موازين السلطة.

فعلى سبيل المثال، في كارثة «ديب ووتر هورايزن» بخليج المكسيك عام 2010، فقد أحد عشر عاملًا حياتهم، ولمدة تقارب ثلاثة أشهر ظل النفط يتدفق إلى المحيط، ليغطي آلاف الأميال من السواحل، مخلفًا دمارًا واسعًا في الأراضي الرطبة والحياة البرية، ومتسببًا في توقف أنشطة الصيد والسياحة.

في السنوات التي سبقت الكارثة، تم توجيه استثمارات متزايدة نحو تقنيات جديدة لإنتاج النفط، وارتفعت الأرباح نتيجة لذلك، غير أن أنظمة الأمان والرقابة لم تتطور بما يكفي لمواجهة مخاطر التنقيب في المياه العميقة.

سمحت القوانين للصناعة بأن تتحقق بنفسها من مدى التزامها بمعايير السلامة، كما كانت الجهات التنظيمية الحكومية على صلة وثيقة بالشركات وتعتمد غالبًا على بياناتها الخاصة.

عندما تعطل جهاز الحماية من الانفجار، لم يكن بالإمكان إصلاح الأمر بسرعة، وقد دفعت شركة BP لاحقًا ما يزيد على 60 مليار دولار في أعمال إزالة التلوث، والغرامات، والتسويات القانونية.

تدارك النظام أخطاءه، لكن بعد حدوث الكارثة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى انعدام المساءلة الاستباقية.

في المقابل، بدأت مدينة نيويورك في أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات تعاني من صعوبات في توفير المياه، والتي كانت تُستمد بشكل أساسي من أحواض «كاتسكيل» و«ديلاوير»، على بُعد حوالي 100 ميل شمال المدينة.

تسبب التوسع الزراعي والعمراني المكثف في المنطقة في تدهور جودة المياه في مجرى النهر، ووجدت المدينة نفسها — الملزمة قانونًا بحماية معايير مياه الشرب — في مواجهة تكلفة ضخمة تتراوح بين 5 و6 مليارات دولار لبناء محطة لتنقية المياه.

غير أن المدينة، عوضًا عن بناء المحطة، فضّلت حماية المياه من المصدر، مستثمرةً قرابة مليار دولار في خطط متنوعة تشمل تقليل الجريان السطحي وتحسين الصرف الصحي وشراء الأراضي للحد من التنمية المُضرّة.

في الوقت ذاته، أُبرمت اتفاقيات رسمية وملزمة مع المجتمعات المحلية لمراقبة جودة المياه بدقة، وكانت محصلة ذلك الحصول على مياه أكثر نقاءً، وتفادي تكاليف البنية التحتية، وتعزيز استقرار الاقتصاد الريفي.

ولا يزال هذا النظام حتى اليوم يمد أكثر من تسعة ملايين شخص بمياه شرب جيدة دون تنقية، ما يثبت أن الحفاظ على النظام البيئي أقل تكلفة بكثير من معالجته بعد التدهور.

في هذه الحالة، عملت المساءلة كآلية تصحيح ذاتي حافظت على توازن النظام دون أن ينهار.

Ella Ivanescu Jbfhnrpq Dw Unsplash

في وقتنا الحاضر، كثيرًا ما تُتخذ القرارات بمعزل عن تكلفتها الفعلية على المجتمع والبيئة، مع وجود فجوة وانقطاع  في الروابط عبر الحدود والأجيال، كما أن الاختلال في موازين السلطات المسئولة يضعف الصلة بين الأفعال وعواقبها.
عندما تنعدم المساءلة، يصبح النمو استنزافيًا بدلًا من أن يكون مستدامًا، وتتخطى الأنظمة حدودها، ولا تصحّح مسارها إلا بعد وقوع ضرر فادح أو انهيار، كما حدث في كارثة "ديب ووتر هورايزن".

تعتمد هذه المقاربة على مفاهيم معروفة في "نظرية النظم"، والإيكولوجيا، والاقتصاد السياسي، مثل ردود الفعل، والقيود، والتكاليف غير المباشرة، إلا أنها تعيد تعريف المساءلة كآلية داخل النظام تعمل على إعادة التوازن، بدلًا من كونها مجرد غاية أخلاقية أو أداة لتحديد التكلفة.

تُحدد المساءلة ما إذا كان التوسع سيبقى ضمن حدود إعادة إنتاج الموارد أم سيتحول إلى نمط استنزافي هيكلي. ومن هنا تُفهم المُساءلة على أنها أدوات قانونية، ومالية، واجتماعية، ومؤسسية قابلة للإنفاذ، تربط القرار بنتائجه الفعلية، مع الحفاظ على إمكانية التكيف الفعّال مع التطورات.

ومن المهم إدراك الفرق بين السياقات المختلفة، ففي النظم المحدودة التي تتسم بتوازن نسبي في السلطات، وأيضًا تأثيراتها المحلية، قد تكون القواعد غير الرسمية، والثقة، والتنسيق الاختياري كافية، حيث تبقى الأضرار ظاهرة وقابلة للإصلاح، وتصل الملاحظات عنها بسرعة.

لكن في الأنظمة الكبيرة مثل سلاسل الإمداد العالمية، والأسواق المالية، والصناعات الاستخراجية، والمنصات الرقمية، تتعرض ردود الفعل والاستجابة الذاتية الطوعية للتعطيل بسبب بُعد المسافة، والفجوات الزمنية، وعدم تكافؤ السلطات المسئولة، لذلك يصبح فرض القواعد والإلزام ضروريًا لضمان انعكاس النتائج عبر مختلف المستويات، ومن دون ذلك،  تتلاشى الصلة بين القرار ونتائجه بشكل كبير إلى حد حدوث خلل في النظام.

من المهم التنويه بأن تطبيق القوانين لا يعني بالضرورة تحقيق المساءلة، فالتطبيق الذي يخدم جهة واحدة—بحماية السلطة وتجاهل الضرر يساهم في تسريع الانهيار بدلًا من منعه، فالمساءلة الحقيقية يجب أن تكون تبادلية، وتضمن الحقوق، وقادرة على تقييد السلطة متى لزم الأمر.

"إذا غابت المساءلة، يتحول النمو إلى نمطٍ استنزافي بدلًا من أن يكون مستدامًا، وتتجاوز الأنظمة حدودها."

بقاء الطبيعة مرتبط بعدم فصلها بين الأفعال وعواقبها، فالأنظمة الحية تعمل ضمن حدود واضحة، وعندما يحدث تجاوز، يتدخل النظام الحي تلقائيًا للإصلاح، وإذا استأثر كائن حي بما يفوق حصته من الموارد سواء الغذاء أو الموطن، انحسر وجوده لاحقًا، وإذا أُصيب نظام بيئي بضرر يتجاوز حدًا معينًا، فإنه يتحول أو يتفكك كليًا، هذه العملية لا تخضع للاحتمالات، لأن التصحيح يحدث تلقائيًا وذاتيًا.

وتُعد العلاقة بين المفترس والفريسة مثالًا واضحًا على ذلك، فعند غياب المفترسات، تشهد جماعات الفرائس نموًا سريعًا، وقد يبدو ذلك في البداية أمرًا إيجابيًا، إلا أن غياب الضغط الافتراسي يؤدي إلى الرعي الجائر، وينجم عن ذلك نقص في الموارد الغذائية وزيادة في انتشار الأمراض، فتتناقص الأعداد لاحقًا بشكل ملحوظ.

أي نظام عاجز عن إصلاح ذاته لا يحافظ على طبيعته الأصلية، فهو إما يتراجع أو يعيد التشكّل أو ينهار، ويجسد مفهوم "الحدود الكوكبية"، بما يعني تحديد العتبات التي لا يجب تجاوزها، هذا المبدأ ذاته: فالنمو مرهون بالبقاء ضمن القدرة التجديدية للنظام الحاضن له.

وأزعم أن النظم البشرية المعاصرة تعمل غالبًا بطريقة مغايرة، فالأكثر تحقيقًا للمكاسب هم الذين يتجنبون العواقب لأطول مدة، فالأرباح قد تكون فورية، بينما تُؤجَّل التكاليف البيئية والاجتماعية أو يتم تصديرها لأطراف أخرى، مما يجعل العلاقة بين القرار والضرر الحادث ضعيفة أو غير ظاهرة.

في أغلب مراحل التاريخ الإنساني، لم يكن هذا الانفصال واردًا بين الأفعال وعواقبها، كانت القيود حاضرة بقوة، فإذا أُسيء استخدام الغابات كمورد طبيعي، شعر الناس باستنزاف الموارد في محيطهم، وإذا ضعفت التربة، انخفض الغذاء خلال جيل واحد فقط.

تطورت أنظمة الإدارة والحكم في ظل هذه الظروف، وكانت القوانين المتعلقة بالصيد والموارد الطبيعية انعكاسًا عمليًا لقيود واقعية، وليست مجرد مفاهيم نظرية.

جسدت العديد من تقاليد الحوكمة لدى المجتمعات الأصلية هذه العلاقة بشكل صريح، حيث وضعت معايير واضحة لما يجوز استهلاكه من الموارد، وكيفية ذلك، وما المسؤوليات تجاه المستقبل. وكان المبدأ الأساسي بسيطًا: أن الإنسان جزء من الطبيعة، لا خارجها، وأن الحفاظ على التوازن أمر حتمي.

لا يزال هذا النهج قائمًا  حتى اليوم في مبادرات المراقبة والإشراف المجتمعي، فإن متابعة المجتمعات المحلية للتغيرات البيئية في الغابات والمصايد وأنظمة المياه تُمكَّنها من الاستجابة المبكرة، حيث يُكتشف الضرر في مرحلة قابلة للإصلاح، وتُتخذ الإجراءات التصحيحية قبل حدوث الانهيار.
أجمعت الدراسات المتعلقة بإدارة الموارد المشتركة على أن بقاء الأنظمة البيئية يعتمد على وضوح قواعد حمايتها، ووجود رقابة فعّالة، وعواقب يمكن توقعها ومتناسبة مع الأفعال.

لكن الأنظمة الصناعية والمالية اليوم مصممة بشكل يفصل غالبًا بين الأفعال ونتائجها، فالمسافات وحجم الأنظمة وتعقيداتها، تجعل التأثيرات بعيدة عن مصادرها، ولم يكن هذا الانفصال وليد الصدفة، بل نشأ حين أُعيد تشكيل الأنظمة بحيث غاب عن صانعي القرار الإحساس الكامل بآثار أفعالهم.

"نحن على أعتاب مرحلة تُعطى فيها الأولوية للمصداقية على حساب الخطاب المنمّق، فالثقة بالمؤسسات تتراجع، ولم يعد الجمهور يتسامح مع التزييف البيئي المتمثِّل في ظاهرة الغسل الأخضر، والالتزامات الصورية."

خلال القرن الأخير، أعيد بناء الأنظمة الاقتصادية بحيث تُستبعد آثارها عن المشهد، أو تُرحَّل إلى المستقبل، أو تُحمَّل لأطراف أخرى.

كان ذلك منطقيًا من منظور هيكلي داخل نموذج نمو نشأ في ظروف وفرة مفترضة، ووقود أحفوري منخفض التكلفة، وتوسع استعماري، وتفاوت في القوى السياسية، ووهم وجود مساحات لا نهائية للاستغلال دون عواقب آنية.

يتبع تغيُّر المناخ نمطًا مماثلًا. إذ استفادت الشركات والاقتصادات، على مدى عقود، من استخدام الوقود الأحفوري دون استيعاب التكلفة الكاملة للأضرار البيئية، كانت الأرباح فورية وحكرًا على البعض، بينما جاءت التكاليف لاحقًا وتوزعت على الجميع.
ومع مرور الزمن، تراكمت تلك الأعباء غير المحسوبة لتي لم تؤخذ في الحسبان لتشكل  خطرًا شاملًا على النظام، فالأنظمة التي تفتقد المحاسبة قد تزدهر سريعًا، لكن لحظة التصحيح تكون غالبًا صادمة ومكلفة وغير متوازنة، فالنظام الذي لا يُصحح مساره إلا بعد أن ينهار هو نظام ضعيف.

لماذا لا تكفي الكفاءة والابتكار وحدهما لتحقيق النتائج المرجوة؟

الابتكار والكفاءة عنصران أساسيان، لكنهما لا يكفيان وحدهما لمعالجة المشاكل الهيكلية. فعندما ينطلق الابتكار بلا ضوابط، قد يزيد من سرعة وقوع الأضرار، فسلاسل الإمداد الأسرع انتاجًا قد تعني استنزافًا أسرع للموارد، والابتكار قد يُعزز القدرات، بينما تحدد المساءلة إن كانت هذه الإمكانيات تخدم النظام أم تضرّه.
تُظهر الأسواق هذه الحقيقة بوضوح: فهي فعالة للغاية في الاستجابة للتغيرات السعرية، لكنها تتفاعل فقط مع كل ما له سعر، وإذا تُركت الأضرار البيئية والاجتماعية خارج حساباتها، فلن تسعى لإصلاحها، بل ستظل تسعى لتعظيم الأرباح ضمن الإطار المحدد لها، حتى لو كان ذلك يهدد الأسس التي يقوم عليها جني هذه الأرباح.

Paul Levesley Oawzr9awd E Unsplash
حدود العمل الطوعي

لسنوات عديدة، اعتمدت الشركات على إجراءات طوعية لمواجهة التحديات البيئية والاجتماعية، بما في ذلك التعهدات، وتقارير الاستدامة، والالتزامات العلنية. بعض هذه الجهود تكون جادة وقائمة على نوايا حسنة، إلا أن النتائج العالمية لا تكذب: الانبعاثات العالمية تتزايد، التنوع البيولوجي يتراجع، والتفاوت الاقتصادي يتسع.

لا يقتصر الأمر ببساطة على "فاعلين سيئي النية"، ففي البيئات التي تتمكن فيها الشركات من تقليل التكاليف عبر تصدير الأضرار لأطراف أخرى، تواجه الشركات التي تبادر وترفع مستوى معاييرها ضغوطًا تنافسية.

الذين يؤجلون تطبيق المعايير قد يحققون بعض المكاسب المؤقتة، إلا أن غياب القواعد الموحدة والعقوبات الفعلية والسريعة يجعل العمل الطوعي عاجزًا عن إحداث تغيير في توجهات النظام ككل، فالنوايا الحسنة وحدها لا تستطيع التغلب على الدوافع التي تشجع على التنصل من المسؤولية.هناك فرق حوهري يجب ملاحظته: المساءلة ليست هي التحكُّم.

تستطيع الأنظمة السلطوية التحكُّم في فرض القوانين بينما تقمع أي ملاحظات ناقدة، فحين يعجز المتضررون عن التعبير عن أرائهم، أو وضع القواعد التنظيمية، أو البحث عن حلول، تفقد الأنظمة المؤشرات الضرورية لتعديل سلوكها.

فرض القوانين مع قمع القدرة عن التعبير لا يعد مُساءلة، بل يمثل هشاشة في النظام تتخفى تحت ستار المسؤولية، فالمُساءلة المُصمَّمة بشكل خاطيء — سواء على مستوى الدولة أو الإدارة الداخلية— يمكن أن تتحول إلى تكنوقراطية روتينية، أو وسيلة للإقصاء أو الاستغلال، بشكل يضر النظام ولا ينفعه.

المُساءلة التي تتجاوز حدها في التنفيذ، أو تُخطأ في هدفها، أو تُفرض بلا حق، قد تنقل العبء إلى المستويات الأدنى ، وتُعطي الأولوية للامتثال للأوامر على تصحيح الأوضاع، وتُرهق الأطراف الذين تهدف لحمايتهم،
أن وضع المعايير دون سند قانوني، أو تطبيق الشفافية دون الاهتمام بالعواقب، هي سلوكيات تُقوِّي السلطة بدلًا من محاسبتها.

المحاسبة الحقيقية تعيد التوازن للسلطات المسئولة، فهي تُشرك من يتحمّلون أعباء النشاط الاقتصادي في صنع القرار، وتعتمد على المعرفة المحلية والرقابة المجتمعية، والنهج القائم على ضمان الحقوق، وتضمن أن تتحول الملاحظات الأصلاحية إلى إجراءات فعلية.

لن يكون معيار المرحلة المقبلة في حوكمة الشركات هو الالتزامات القوية، بل الكفاءة في بناء أنظمة تصحيح ذاتي فعالة ومرنة، فالإدارة التي تبادر بإعادة هيكلة هذه الأنظمة قبل وقوع الأزمات ستحمي قيمة الشركة، بينما قد تواجه الأخرى تصحيحات تفرضها قوى السوق

يحتل العمل الخيري موقعًا فريدًا، خارج منطق الاستنزاف السائد، والتركيز المفرط على النتائج السريعة قصيرة المدى، مما يمنحه دورًا محوريًا في إعادة بناء البنية التحتية لتي تساعد الأنظمة على التعلّم بشكل استباقي، قبل أن تضطر إلى فعل ذلك تحت ضغط الأزمات."

مسؤولية العمل الخيري
تتحدد حركة الأسواق بتوقعات الأرباح السريعة، بينما تتحرك الحكومات وفق حسابات الانتخابات، وتأثيرات النفوذ السياسي، وتلتزم الشركات بخدمة مصالح المساهمين أولًا.

 لكن العمل الخيري يختلف من حيث التكوين، إذ يُعد من الجهات القليلة التي يمكنها العمل خارج هذه القيود، عبر أطر زمنية متعددة، وتحمُّل المخاطر السياسية والمالية، ودعم أنشطة ضرورية لكنها غير مغرية للأسواق أو الحكومات.
وهذا يضع على عاتق العمل الخيري مسؤولية فريدة —غالبًا لا تُقدَّر حق قدرها— تتعدى تمويل ودعم الحلول إلى استعادة الآليات المفقودة التي تمكّن الأنظمة من إصلاح نفسها.

تتمثل الأفضلية التنافسية للعمل الخيري في قدرته على سد فجوات التمويل والدعم في مجالات الصالح العام الذي لا توفره الحكومات والأسواق بشكل كافٍ، خصوصًا ما يضمن تحقيق الطموحات وتنفيذ الخطط وتحويلها إلى نتائج حقيقية ومستدامة.

ويشمل ذلك تمويل:

  • مصادر بيانات مستقلة مقرونة بالرصد والتحقق المستمر
  • آليات الرقابة والمساءلة والتنفيذ الفعلي
  • الاعتبار القانوني وضمان الإنصاف للمجتمعات المتضررة
  • هيئات رقابة وتدقيق تميّز بين التقدم الحقيقي والادعاءات الصورية
  • إشراف مستدام طويل الأمد يتعدى الأطر الاقتصادية والانتخابية

حين ينصبّ اهتمام العمل الخيري فقط على الابتكار والنمو ومواءمة السوق، فإنه يخاطر بتعميق الآليات ذاتها التي تسبّب عدم التوازن، بينما تمويل منظومة المساءلة يعزّز القواعد التي تحافظ على استقرار الاقتصاد وتمنعه من الانهيار

من الوعود إلى الإثبات العملي

ما يتبع ذلك ليس دعوة للانطلاق نحو طموح أكبر أو ابتكار أسرع، بل نحو تبني خيارات تصميمية مختلفة للنظام، فالأثر الفعّال يكمن في الحوكمة: في إعادة ربط الفعل بالعواقب بشكل قابل للتنفيذ، وليس في سرعة الانتشارأو التوسع في الحجم.

نحن على أعتاب مرحلة تُعطى فيها الأولوية للمصداقية على حساب الخطاب المنمّق، فالثقة بالمؤسسات تتراجع، ولم يعد الجمهور يتسامح مع التزييف البيئي المتمثِّل في ظاهرة الغسل الأخضر، والالتزامات الصورية.